الحضارات ـ صراع أم حوار

اذهب الى الأسفل

الحضارات ـ صراع أم حوار

مُساهمة من طرف أنين العمري في الخميس أكتوبر 08, 2009 7:52 am


يحفل التاريخ البشري بالكثير من الشواهد الدالة على أن الصراع أحد سمات الاتصال البشري، كونه عاملاً مؤثراً في تكوين الحضارات وانتقالها، فبقدر ما كانت الحروب سبباً للدمار، فقد أدت إلى انتقال المعرفة وغيرها من مكونات الحضارة، وفي الوقت نفسه كان للعلاقات السليمة والحوار دور كبير في تحقيق التواصل الحضاري وبناء الثقافات..وإن الشواهد كثيرة على أن الجانب الأكبر من الإنجاز الحضاري لم يكن ليتم لولا الله ثم الحوار كمنهج حضاري للتفاهم والتعايش بين الحضارات؛ مع مراعاة خصوصية كل حضارة واحترامها لمبادئ وقيم الحضارات الأخرى(9)

فالأصل في علاقات الشعوب والأمم هو التعارف والتحاور كما قال الخالق سبحانه: (يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(10) .. ويستنتج الباحث من ذلك بطلان دعوى صامويل هانتنجتون – صاحب كتاب صدام الحضارات - إذ يرى أن التفاعل بين الإسلام والغرب صدام حضارات(11).. وهذا الزعم عار من الصحة ؛ إذ التفاعل بين الإسلام وأي حضارة أخرى – لاسيما الغرب- قائم على الأخوة الإنسانية والشراكة المعرفية والثقافية .

من الصدام إلى الحوار

" لقد كانت قيادة الدنيا ، في وقت ما ، شرقية بحتة، ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان عربية، ثم نقلتها النبوات إلى الشرق مرة ثانية، ثم غفا الشرق غفوته الكبرى، ونهض الغرب نهضته الحديثة .. فورث الغرب القيادة العالمية ، وها هو الغرب يظلم ويجور، ويطغى ويحار ويتخبط ، فلم تبق إلا أن تمتد يد شرقية قوية "(12)..

والحق أن تاريخ العلاقات بين الحضارتين الإسلامية والغربية عرفت فترات حوار وتفاعل ، وفترات صدام وتطاحن . والغزو الحديث للأمة الإسلامية جاء بالسيف والمحراث كما قال المرشال بيجو(13)، أو بعبارة أخرى جاء بالمدافع والنهب الاقتصادي، ثم تلاه غزو فكري ، ارتكز على الثالوث المشهور : الاستعمار والتنصير والاستشراق ، لأن غزو العقل يضمن له تأييد تبعيتنا له ، حتى بعد انتهاء الاحتلال العسكري ، وهكذا نصبح ونحن نتبنى النموذج الغربي ، ونتخلى عن المرجعية الإسلامية ، في مشروعنا النهضوي في الحكم والإدارة والتشريع ..

وهكذا ينطلق العرب بمبادرة حوار الحضارات على غير أسس وعلى غير مرجعية؛ إذ كيف ينادون بحوار بين الحضارات وقد انسلوا من هويتهم الأصلية ومرجعيتهم الأولى .. !؟

على العموم في أي حال من الأحوال ينبغي أن يكون الحوار بين الحضارات – ولاسيما الحوار بين الحضارات القوية والضعيفة وإن شئت فقل الحوار بين المنتصر والمهزوم – ينبغي أن يحكم هذا الحوار شروط وضوابط ، تضمن حق الحفاظ على المرجعيات الثقافية والعقدية لكل طرف .. ومن ثم يأتي دور الحديث عن ثلاث مسائل مهمة :


المسألة الأولى : في ضوابط وأسس الحوار .
المسالة الثانية : في شروط المحاور الغربي .
المسألة الثالثة : في شروط المحاور المسلم .

هذه المسائل الثلاث المهمة تمثل الإطار الواق للخصوصيات الثقافية والدينية ، قال الخالق تبارك وتعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(14).

المسألة الأولى : في ضوابط وأسس الحوار:
ويمكن أن يجمل الباحث هذه الضوابط وتلك الأسس على هذا النحو:
1-ينبغي أن يشمل الحوار كل مجالات وجوانب الحياة ؛ الفكرية والسياسية والاقتصادية والفنية والأدبية ...
2- ألا يقوم على الروح التنصيرية ، بل على المبدأ الذي قاله الخالق : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ )(15).
3-السعي نحو الحريات الديمقراطية في إفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية(16) .
4- تفعيل البيان العالمي لحقوق الإنسان ، وتعميمه ، لا تخصيصه..!
5-أن يحترم الحوار المرجعيات والخصوصيّات الثّقافيّة، والابتعاد عن التّسلّط وإلغاء الآخر(17) .
6-أن يتبنّى قاعدة ( المعرفة والتّعارف والاعتراف ) وينطلق منها في سبيل التّقارب و معرفة ما عند الآخر معرفة جيّدة ، والتّعارف الذي يزيل أسباب الخلافات، ويبعد مظاهر الصّراعات. والاعتراف الذي يثمّن ما عند الآخر ، ويقدّر ما يملكه . وهو ما يعين على التّقارب والتّعاون(18).


المسألة الثانية : في شروط المحاور الغربي :

1-أن يلتزم الغرب بالتعددية في المرجعيات الحضارية ، لأن أحادية الحضارة الغربية معناها إلغاء الحضارات الأخرى . ومنها المرجعية الإسلامية .. وإن فرض مرجعية واحدة على الشعوب كمن يفرض عليها أن تعيش على طعام واحد، ويجبرها أن تنظر بعين واحدة، ويلزمها أن تتنفس برئة واحدة ! والأخطر من ذلك كله عندما يكون ذلك الطعام مسموماً، وتلك العين حولاء، وتلك الرئة مسلومة !!

2-أن يعترف الغرب بقانون تداول الحضارات ، وأن يقر أن الحضارة ليست حكراً له، " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، نعم إنها اليوم ملك له كما كانت بالأمس ملكاً للحضارة الإسلامية ، وكما تكون غداً لأمة جديدة ، ومن ثم يصون الغرب نفسه من الوقوع فيما يسميه الباحث بدائرة الثأر الحضاري

3-أن يدرك أن ما يسمى بالحضارة الغربية اليوم ، هو ناتج شارك فيه أجدادنا بالقسط الوافر ، والنصيب الكبير(19)، بل يعترف بفضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية !

المسألة الثالثة : في شروط المحاور المسلم :

1-إذا كنا نطالب الغرب بالتزام التعددية على مستوى العالم ، فإنه من واجبنا أن نطبق التعددية في بلادنا ، خاصة أن التعددية من أسس حضارتنا . فنحن نعلم أن الخلاف في الفروع رحمة ، وأن التعددية المذهبية ، أول مظهر من مظاهر التعددية في تاريخ الإسلام .
2-أن ننطلق في مشروعنا النهضوي من مرجعية إسلامية ، أي نبقى أوفياء لجذورنا العربية الإسلامية " شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء " . أما أنصار الحداثة المطلقة الذين يدعون إلى القطيعة مع العروبة والإسلام ؛ فإنهم ـ في الحقيقة ـ يريدون شجرة دون جذور ؛ شجرة اصطناعية ، لا تطعم بطناً ولا تسر عيناً ، و لا تطرب بحفيفها أذناً ! .. لا تنال منها منفعة ، باستثناء الحطب ! !

3-أن يملك المحاور المسلم تصور للعالم الذي يحيط به، وأن يكون ملماً بالحضارة الغربية : واقعها، تاريخها، إمكاناتها .. ثم يسعى للتفاعل معها ؛ بغية فهم الطرف الآخر، في الحوار، ثم التفاهم معه.
4-أن يكون مثالاً للخلق الصالح الصادق؛ لكي يؤثر في غيره، فلو حكّمنا الإسلام في سلوكنا الفردي والجماعي ، لأصبحنا محط أنظار العالم ، ومصدر إعجابه ، إننا بذلك نحقق القدوة و الأسوة والأستاذية .. ومن ثم ننطلق في حوارنا الحضاري على بناء أخلاقي عتيق(20) .

يا قومنا .. إن النظام العالمي الجديد الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام العالمية ، يعني حضارة واحدة مسيطرة مانعة لما سواها .. أما النظام العالمي المنشود فهو نظام يقوم بالفعل على المساواة بين البشر : في الفرص، في الحريات، في الديمقراطية، في التقنية ......


المصدر: صيد الفوائد / محمد مسعد ياقوت

_________________
أنين الـعمـري - مديرة المنتديات

avatar
أنين العمري
الأميرة الرومانسية
الأميرة الرومانسية

عدد المساهمات : 472
تاريخ التسجيل : 16/09/2009
العمر : 44
البلد : المملكة الرومانسية

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى